لماذا أقرأ علم الأعصاب: الجمال والدماغ ومنطق الخط
أنا خطاط. لست عالم أعصاب. ومع ذلك، ثمة كتب تجد طريقها دائماً إلى مرسمتي: كتب علم الأعصاب وعلم النفس المعرفي وعلم الجمال وفلسفة التجريد. في البداية، كنت أقرأها شعوراً بأنها مجرد فضول. قرأت فيها بحثاً عن شيء لأسميه. ثم ادركت أن الأمر ليس فضولاً.
كنت أحاول أن أفهم ما يجري داخلي حين أخط.
الخط ليس فقط حركة يد
من أكثر الأشياء إحباطاً في تعليم الخط هو تبسيطه إلى مسألة حركية: ضع القلم هنا، أدر المعصم كذا، شدّ الضغط بقدر كذا. كأننا نتحدث عن حركة طرف لا شعور له. لكن ما يحدث حـين تخط أعمق من ذلك بكثير.
حين أخط بدايةً خطاً جديداً، ثمة لحظة أولى تسبق الحركة ذاتها: لحظة توقف وتركيز وشيء يشبه الاستعداد. النظام الحركي الدقيق جزء منه، لكنه ليس كله. ما يسبق تلك الحركة هو شيء أكثر أهمية: القصد.
يخبرنا علم الأعصاب أن الدماغ لا ينتظر حتى تبدأ القدم بالتحرك. فالحركة تبدأ في المختبر العصبي قبل أن تظهر في العضل. الجسد يُسبق نفسه. وما يعنيه هذا للخط: حين تخط لطه جيدة، ليس الأمر فقط تكرار الحركة حتى تتقنها. الأمر ترسيخ نوعية معينة من الانتباه. تعليم الدماغ أن هذه الحركة تستحق الاهتمام.
ما تعلمته من دراسة الدماغ
ثمة مفهوم في علم الأعصاب غيّر طريقة تفكيري في التدريب: مفهوم التكيف التعصبي Synaptic plasticity. فكرة أن الدماغ ليس آلة ثابتة بل نظام يعيد تشكيل نفسه باستمرار وفقاً لما يفعله ويعيشه، كانت وجدانياً محررة لي. لتكرار الحركة فقط ليس غرضاً ـ التكرار هو طريقة الدماغ في تصنيف هذه الحركة باعتبارها مهمة بما يكفي.
هذا غيّر طريقة تعاملي مع التكرار. بدلت من أن أتعامل معه بوصفه واجباً يسبق العمل الحقيقي، بتّ فهمته بوصفه محادثة مع ما هو آتٍ. ما الذي دريت عليه دماغي بهذا التكرار؟ ما اللحظة التي يتعزز فيها الاتصال بين الخطوط العصبية؟
ما تعلمته أيضاً: الانتباه ليس شيئاً واحداً. ثمة انتباه الموضوع (Focused attention) وانتباه مفتوح (Open monitoring). الأول يلاحق شيئاً بعينه. الثاني يستقبل كل شيء دون تفضيل. في الخط، ثمة لحظات تتطلب النوع الأول: تتبع القلم بدقة فوق مسار محدد. وثمة لحظات تتطلب النوع الثاني: ترك الكتابة تجري دون تحكم زائد. لم أكن أفهم هذا الفرق وأنا أتدرب في وضعيهما. كنت أحاول أن أضبط كليهما في ذات الوقت، وكانت النتيجة عادةً خطاً متوتراً لا أريد.
مسألة الجمال
الجزء الأكثر مفاجأةً في قراءتي كان دراسات الجمال. ليس النظرية الفلسفية فحسب، بل البحث التجريبي.
هناك دراسات تفيد بأن الرؤية لشيء جميل يمكن أن تسبب استجابة فيزيولوجية حقيقية: توسع الحدقة، تغييرات في دقات القلب، استجابة عصبية مصاحبة للتوتر الجميل. وهذا التوتر — الذي نسميه أحياناً «شوقاً» أو «إعجاباً» — ليس انتباهاً سلبياً يعيق المتعة. هو جزء من آلية المتعة ذاتها.
وما يعنيه هذا للخط: الجمال الذي أحاول خلقه ليس مجرد تفضيل شخصي. إنه حدث يمكن أن يحدث أو لا يحدث في نظام عصبي آخر.
الجزء الذي لا يزال يشكل إشكالية
لكنّ ثمة شيئاً في أبحاث الجمال يقلقني ولا يزال.
التحيز: كثير من هذه الدراسات تفترض أن التفضيلات الجمالية إما عالمية أو أنها تنتج من دوافع تطورية بسيطة لا تتغير. لكن بحثاً صادماً في علم الأعصاب يشير إلى أن ما نعدّه جميلاً متشكّل من تاريخ وثقافة وتدريب. هو ليس ثابتاً محفوراً في الدماغ. وهذا يعني أن ما يراه شخص من علاقة أو من كثافة أو من لونة متشكّل — جزئياً على الأقل — من تاريخه وبيئته. وهو أيضاً قابل للتغيّر.
وهذا يضعني في موقف غريب: كخطاط عربي يعمل في سياق عالمي، أدرك أن ما أجده جميلاً في عملي يرتبط بتعليم بعينه وتجربة بعينها وتاريخ بعينه. وأن ما أسعى إلى خلقه لا يتوجه بالضرورة إلى شخص آخر لم يتشكّل خياله الجمالي بنفس الطريقة.
هذا ليس بالضرورة مشكلة يجب حلها. لكنه شيء يجب فهمه.
لماذا أقرأ إذن؟
أقرأ علم الأعصاب ليس لأني أحتاج إلى تفسير علمي لما أفعل. أقرأه لأنه يذكّرني بما أعرفه بالفعل من خلال الممارسة، لكنه يمنحني لغة جديدة لوصف ما أعرفه. أقرأه لأن التمييز بين نوع الانتباه الموضوعي والمفتوح غيّر طريقة تدريبي. ولأن فكرة أن الجمال قابل للتشكّل وليس ثابتاً تطورياً فتحت أمامي احتمالية لم أكن أفكّر فيها: أن ما أفعله في الاستوديو يمكن أن يشتغل على نظام عصبي لم يتشكّل بعد بالطريقة ذاتها.
لست أتطلع إلى فكر علمي للخط. أتطلع إلى خريطة أكثر دقة لما أفعله بالفعل.