الخط، التجريد، وجوهر الهوية
حين يرى شخص عملي، ثمة سؤال يظهر دائماً: «هل هذا خط عربي؟». والإجابة الدقيقة: نعم، ولا جواب آخر ممكن.
لكن ما لا يقوله هذا السؤال هو الأكثر إثارةً للاهتمام.
تجريد ليس عكسية
في خطي التجريدي، لا أخفي أن هذا الخط عربي. ولا أحاول إخفاء ذلك. التجريد هنا ليس تحريراً من الهوية ، بل تعميقاً لها. ما أتجرد منه هو القراءة الحرفية والمفهومية المجردة — أي تحويل الحرف إلى مجرد رمزز لصوت. أبقي الحرف حرفاً — كائناً بصرياً مستقلاً — لكن دون أن يختزل إلى صوت.
هذا التمييز دقيق. الحرف ما زال يحمل حمولته التاريخية — من بنيته البصرية، وتناسباته، وإيقاعات حركته المدونة عبر قرون — لكنه يجلس داخل عملي بوصفه كائناً بصرياً، لا بوصفه فكرة.
الهوية كبنية، لا كعلامة
أحياناً يُسأل عني كما لو كنت أختار الخط العربي كتصريح هوياتي. كما لو أن اختيار لغة عملي هو بيان سياسي. لكن الأمر ليس كذلك.
أنا منجذب للخط العربي لأنه يمنحني إمكانية بصرية لا أجدها بنفس الكثافة في أي خط آخر. بنيته السيمائية المتكاملة، حيث تخدم كل علامة طائفة من الوظائف في آن، تتيح لي خلق بنى بصرية بالغة التعقيد. هذا هو ما سحرني.
الخط بوصفه خطاباً عالمياً
في مسيرتي الفنية، اعتدت على جمهور لا يقرأ العربية. هذا لم يجعل عملي أقل تحديداً من حيث الهوية. بل أفضى إلى سؤال أكثر دقةً: ما الذي يحمله هذا النظام البصري لمن لم يتشكّل داخل هذه الحضارة؟
وجدت أن جمهوراً عريضاً — من ثقافات وخلفيات متباينة — يستجيب لشيء في الخط لا يستطيعون تسميته. ليس لأن الخط العربي عالمي، بل لأن بنيته البصرية بالغة في حمل التوتر دون فرضه — بنية تتضمّن تناقضاتها بدلاً من حلها.
ما قصدته بالتجريد
لم أتجرد من الخط العربي. تجردت من الحاجة إلى أن يقرأه المتلقي حتى يستجيب له. أردت من الخط أن يكون حضوراً بصرياً يسبق الفهم. أردته أن يتحدث لوحده — لا بوصفه توقيعاً، بل بوصفه خطاباً.
الخط العربي في حوزته — كما فهمته دائماً — أدوات تصل لأدوات. لكن في خطي التجريدي، أريده أن يكون بوابةً لا علامةً. شيئاً يدعوك إلى الدخول، لا إلى التعرف على شيء بعينه.